مقالات شهر يناير لعام 2008

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مقالات شهر يناير لعام 2008

مُساهمة من طرف french في الثلاثاء يناير 29, 2008 9:55 pm


عــــالقون وعــــابرون
بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي


يستحق الإسرائيليون منا شكرا خاصا‏,‏ لا ينتقص قطرة من بحر كراهيتنا لهم‏,‏ لأن حماقة إظلام غزة كشفت بشاعة جريمتهم‏.‏ وأحرجت أصدقاءهم‏,‏ وألجمت أبواقهم‏.‏

‏(1)‏
حين سمعت أحد زملائنا يتحدث بحماس شديد عبر شاشة التليفزيون عن حق الفلسطينيين في العيش‏,‏ مستنكرا الحملة الإسرائيلية لتجويعهم وتدمير حياتهم‏,‏ تذكرت قصة الرجل الذي هرول غاضبا باتجاه الحدود الإسرائيلية‏,‏ وحين سئل في التحقيق عن السبب في ذلك‏,‏ كان رده أنه سمع أن اليهود صلبوا السيد المسيح فلم يستطع أن يكتم غضبه وقرر الانتقام منهم‏.‏
زميلنا الهمام‏-‏ وبعض أقرانه ونظرائه‏-‏ بلغهم أخيرا‏,‏ بعد اقتحام معبر رفح‏,‏ أن إسرائيل قررت تجويع الفلسطينيين وخنقهم‏,‏ ولم يسمع بالخبر إلا يوم الثلاثاء الماضي‏(1/22)‏ بعد‏48‏ ساعة من القرار الإسرائيلي بقطع الكهرباء ومنع الوقود والمياه عن غزة‏,‏ في حين أن الحصار مضروب منذ ثمانية أشهر‏,‏ حين تسلمت حركة حماس السلطة في غزة في منتصف يونيو من العام الماضي‏.‏
إذ منذ‏2007/6/14‏ وطوال الأشهر التي خلت‏,‏ كانت الادوية والاغذية ومختلف مقومات الحياة ووسائل الانتاج في غزة ـ حتي تحول القطاع بمضي الوقت إلي جحيم تستحيل في ظله الحياة علي مليون ونصف مليون مواطن‏.‏
خلال تلك الاشهر كان خنق غزة يتم ببطء وفي هدوء‏,‏ وكل العالم العربي فضلا عن العالم الخارجي‏,‏ جميعهم ذاهلين عن حجم الجريمة وعمقها‏,‏ ومن أسف أن بعض العرب كانوا شركاء في الحصار والتجويع‏,‏ ولكن قرار الإظلام الاخير أيقظهم من سباتهم بحيث لم يعد لدي احد عذر لكي يدعي انه لم يسمع بما جري‏.‏

(2)‏
قرار الإظلام لم يكن مفاجئا للفلسطينيين‏,‏ الذين اعتبروا الحصار وحملة العقاب الجماعي فصلا في سجل اسرائيل الاسود‏,‏ الذي عانوا من عذاباته منذ ستين عاما علي الاقل‏,‏ المفاجأة كانت في اسرئيل‏,‏ لأن الاستهتار والغرور أعمياها عن ادراك حقيقة معدن الشعب الفلسطيني ووعيه‏.‏ ذلك أنهم في تل أبيب ظنوا أنهم حين يخنقون القطاع ويعذبون أهله فإنهم سيثورون علي السلطة القائمة ويسقطون حكومة حماس‏,‏ ولكن الذي حدث أدهشهم‏,‏ لأن أهل غزة لم ينتفضوا ضد الحكومة‏,‏ ولكنهم كانوا واعين جيدا بأن الذي يحاول تدمير حياتهم هو الاحتلال واعوانه‏,‏ حتي ذكرت دراسة خاصة لقياس الرأي العام ان شعبية حماس ارتفعت في القطاع بعد الإظلام من‏39%‏ إلي‏41%,‏ وبالتالي فإن الانتفاضة وجهت ضد الاحتلال‏,‏ واندفع الناس صوب معبر رفح‏.‏
تحدثت الصحف الاسرائيلية في الاسبوع الماضي عن ان موظفي وزارة الدفاع المسئولين عن متابعة الاوضاع في غزة ظلوا في مكاتبهم حتي ساعة متأخرة في ليلتي الاحد والاثنين الماضيين‏(20‏ و‏21‏ يناير‏),‏ وهم يتابعون علي شاشات التليفزيون المشهد في القطاع بعد قرار قطع التيار الكهربائي عنه‏,‏ وفي الوقت ذاته كانوا يتابعون التقارير المقدمة من اجهزة المخابرات التي قدمت لوزير الدفاع الاسرائيلي إيهود باراك‏,‏ وتحدثت عن امكانية خروج الفلسطينيين في مظاهرات عارمة ضد حكومة حماس بعد قطع إمدادات الوقود الذي يستخدم في تشغيل محطة الكهرباء الرئيسية‏,‏ إذ افترضت تلك الأجهزة ان الجمهور الفلسطيني سوف يحمل حكومة حماس بالمسئولية عن ذلك الواقع‏.‏ عبر عن ذلك بشكل صريح رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود اولمرت في كلمته التي ألقاها امام حزبه‏(‏ كاديما‏)‏ يوم الاثنين‏1/14‏ عندما قال ان الضغوط الاقتصادية علي الفلسطينيين في القطاع تهدف الي دفعهم للتخلص من نظام حماس الإجرامي‏,‏ علي حد تعبيره‏,‏ لكن وكما نقل التليفزيون الاسرائيلي مساء اليوم ذاته فإن أولمرت وكبار موظفي وزارة الدفاع اصيبوا بخيبة امل كبري‏,‏ عندما تبين ان مظاهرات ضخمة عمت غزة وجميع ارجاء العالم العربي‏,‏ ليس ضد حماس ولكن ضد اسرائيل‏,‏ وكما قال المعلق الاسرائيلي يارون لندن فإن اسرائيل ادركت اثر ذلك انه كلما مارست الضغط علي الفلسطينيين وبررت ذلك الضغط بسيطرة حماس علي القطاع‏,‏ ابدي الفلسطينيون المزيد من التضامن مع حماس وحكمها‏.‏

(3)‏
لقد تعاملت مصر الرسمية بواقعية وحكمة مع ما جري ولخصت موقفها في امرين‏,‏ اولهما السماح مؤقتا بفتح معبر رفح‏,‏ وثانيهما دعت فتح وحماس الي حوار يعالج الموقف ويحتويه‏,‏ ومن حيث المبدأ فإنني لست قلقا من الموقف الرسمي المعلن‏,‏ ولكن اخشي من محاولات البعض إفساد الاجواء الإيجابية التي عبر عنها ذلك الموقف‏,‏ عن طريق الإيقاع بين السلطة في القطاع وبين مصر‏,‏ او لي حقائق المشهد والترويج لمعلومات خاطئة تحقيقا لاهداف مشبوهة‏,‏ فالقول أن اقتحام الجماهير الفلسطينية للمعبر اعتداء علي السيادة المصرية‏,‏ والزعم بأن السلطة في القطاع تحاول لي ذراع مصر‏,‏ واتهام الفلسطينيين بأنهم اعتدوا علي قوات الأمن المصرية وجرحوا منهم‏36‏ شخصا بعد إطلاق النار عليهم‏,‏ ونسبه ذلك إلي مسلحي حماس مثل هذه الادعاءات إما أن تكون تعبيرا عن قصر النظر‏,‏ او عن محاولة الدس والوقيعة‏,‏ لا تختلف كثيرا عن ادعاء اسرائيل ان من شأن فتح المعبر ان يسرب الإرهابيين الي دلتا مصر‏,‏ وان يفتح الباب واسعا لتهريب السلاح الي غزة‏.‏
هذه الادعاءات تتجاهل تماما ان ثمة كارثة انسانية في القطاع‏,‏ الذي اغلقت منافذ الحياة فيه منذ سبعة اشهر‏,‏ في حين انه اعتاد في السابق ان يستقبل يوميا‏800‏ شاحنة من خارجه‏,‏ توفر له احتياجاته المختلفة‏,‏ واذا كنا نتحدث عن مليون ونصف مليون مواطن عاشوا في ظل تلك الاوضاع بالغة القسوة خلال الاشهر الثمانية‏,‏ فإن هذه الخلفية تفسر لنا الانتفاضة التي كسرت الحاجز لتوفير الحاجات التي حرم منها الناس طول الوقت‏.‏

لست أنفي ما حدث من اشتباكات‏,‏ لكني ادعو الي الشك في دوافعها والعناصر المحركة لها‏.‏ كما ادعو الي ان تأخذ حجمها الطبيعي‏,‏ بحيث لا تحجب الحقائق الاساسية التي حركت الجماهير صوب الحدود المصرية‏.‏
لقد سمعت احد المثقفين المصريين يقول إن حماس مسئولة عن إقدام اسرائيل علي حصار القطاع‏,‏ لأنها ومعها حركة الجهاد الإسلامي دأبتا علي إطلاق الصواريخ علي المستوطنات الإسرائيلية‏.‏ وهذا كلام يروج له الإسرائيليون في كل مكان‏,‏ ولم ينطل علي الشعب الفلسطيني‏,‏ صحيح أن عناصر حماس والجهاد تطلق الصواريخ بين الحين والآخر علي إسرائيل‏.‏ لكن كثيرين ينسون أن ذلك لا يتم إلا ردا علي الغارات الإسرائيلية اليومية التي تقتل الفلسطينيين‏,‏ وينسون أن حماس والجهاد التزمتا بالتهدئة في السابق‏,‏ ولكن إسرائيل لم توقف عدوانها طول الوقت‏.‏ وينسون أيضا أن حماس طرحت إقامة هدنة متبادلة لعدة سنوات‏,‏ تكون ملزمة للجانبين‏,‏ ولكن الاقتراح رفض‏.‏ والسبب في ذلك أن الإسرائيليين يريدون هدنة تلزم المقاومة الفلسطينية وحدها‏,‏ في حين تطلق اليد لإسرائيل لكي تعربد في الأرض المحتلة كيفما شاءت‏.‏ وهو مطلب لا يمكن لعاقل لديه ذرة من الكرامة الإنسانية أن يقبل به‏.‏

ثمة حجة أخيرة تتحدث عن إحراج مصر‏,‏ بسبب تعارض الموقف الراهن مع اتفاقية المعابر التي وقعت في عام‏2005‏ بين الفلسطينيين والإسرائيليين‏,‏ بمقتضاها أصبح الاتحاد الأوروبي طرفا في مراقبة المعابر‏.‏ وهذه الاتفاقية التي مثل الطرف الفلسطيني فيها السيد محمد دحلان‏-‏ وهو من هو‏-‏ سلمت الإسرائيليين مفاتيح خنق الفلسطينيين‏,‏ علي النحو الذي تجلي في حصار القطاع وخنقه‏.‏
ولست أري سببا وجيها للحرج المصري‏,‏ فمصر ليست طرفا في اتفاقية المعابر‏,‏ ثم إن إسرائيل آخر من له الحق في الحديث عن الالتزام بالاتفاقيات‏,‏ لأنها لم تلتزم بأي اتفاق وقعته بخصوص الشأن الفلسطيني‏(‏ واستمرار التوسع في الاستيطان بعد مؤتمر أنا بوليس ليس ببعيد‏).‏ كما أنها لم تلتزم بأي قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة باستثناء قرار تقسيم فلسطين وتأسيس الدولة في عام‏1948.‏ ثم إن مصر بوسعها أن تقول إن قطاع غزة جزء من أمنها القومي‏,‏ وأنها لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي أمام الكارثة الإنسانية التي فرضتها إسرائيل علي أهله‏.‏ أما مطالبة مصر بالمشاركة في خنق القطاع وأمانته فتلك هي الجريمة الحقيقية التي تريد إسرائيل من الدول الأخري أن تتواطأ معها لأجل تنفيذها‏.‏

(4)‏
ما العمل إذن؟ لقد دعت مصر إلي حوار بين حركتي فتح وحماس لحل الإشكال‏,‏ وهو ما رحبت به حماس‏.‏ ولكن قيادات السلطة في رام الله رفضت الدعوة بطريقة غير مباشرة‏,‏ حين اشترطت أن تعيد حماس الأوضاع إلي ما كانت عليه قبل منتصف يونيو‏2007,‏ وتتراجع عما سماه أبومازن بـالانقلاب الذي وقع في القطاع‏(‏ لاحظ أن أبومازن في مفاوضاته مع الإسرائيليين لا يضع أي شروط رغم كل ما ترتكبه من جرائم‏).‏ وفكرة الانقلاب هذه أكذوبة روجت لها مختلف الأبواق الإعلامية لتبرير الطلاق بين فتح وحماس وافشال تجربة حكومة الوحدة الوطنية‏.‏ وقد تمسكت بها بعض عناصر السلطة للتحلل من الشراكة مع حماس‏,‏ والانطلاق في مسار التسوية التي فرضتها إسرائيل‏.‏ وكنت أحد الذين طالبوا من البداية بتشكيل لجنة لتقصي حقائق الانقلاب المزعوم‏,‏ الذي قامت به حكومة منتخبة لوقف تمرد الأجهزة الأمنية التي عملت منذ إعلان نتائج الانتخابات في عام‏2006‏ علي شل حركتها وإشاعة الفوضي في القطاع‏.‏ ثم بعد ذلك أبقت علي كل المؤسسات الباقية كما هي‏,‏ بما فيها مؤسسة الرئاسة‏,‏ الأمر الذي يدعو إلي التساؤل عن حقيقة السلطة التي وجه ضدها الانقلاب‏.‏ ولو أن اللجنة تحرت جيدا ما جري لاكتشفت أن عناصر السلطة هي التي قامت بالانقلاب علي الشرعية وعلي التاريخ والجغرافيا في فلسطين‏.‏

معلوماتي أن أبومازن لن يدخل في حوار مع حماس‏,‏ وأن حكاية التراجع عن الانقلاب ليست سوي غطاء لأمر آخر يعرفه جيدا المتابعون للملف الفلسطيني‏.‏ ذلك أن استمرار القطيعة مع حماس شرط أمريكي وإسرائيلي لاستمرار دعم جماعة السلطة في رام الله‏.‏ وهذا الكلام قاله صراحة توني بلير قبل ثلاثة أسابيع في لقاء خاص لصديق أعرفه‏.‏ وربما أتيح لي أن أنشر تفاصيل ذلك اللقاء المثير في وقت لاحق‏.‏
إزاء ذلك فلست أري حلا في الوقت الراهن سوي أن يتم التفاهم بين مصر وحكومة حماس‏,‏ وليكن هدف التفاهم هو كيفية معالجة الكارثة الانسانية في غزة عن طريق فتح الباب لدخول البضائع والاحتياجات الحياتية المختلفة‏,‏ مع السماح بخروج المرضي وذوي الحالات الخاصة‏.‏ شريطة أن يخضع الدخول والخروج لرقابة السلطات الأمنية المصرية من جانب ولشرطة القطاع الفلسطينية من جانب آخر‏.‏

لقد صغرت القضية وجري تفتيتها‏,‏ فلم يعد التحرير هدفا ولا العودة حلما‏,‏ حتي تراجع الشعار عائدون عائدون‏,‏ ووجدنا أنفسنا أمام عنوان آخر هو عالقون وعابرون ـ إننا نتقهقر إلي الوراء بسرعة بأكثر مما ينبغي‏.‏
avatar
french
المشرف العام

عدد الرسائل : 35
نشاط العضو :
50 / 10050 / 100

تاريخ التسجيل : 23/01/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://donia.netgoo.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مقالات شهر يناير لعام 2008

مُساهمة من طرف french في الثلاثاء يناير 29, 2008 10:02 pm

الوطن‏..‏ الحركة الوطنية‏..‏ المواطنة
بقلم د‏.‏ أنور عبد الملك


كنا نتصور‏,‏ أيام زمان‏,‏ أيام الحركة الوطنية والثورة‏,‏ أن خلاصة تجارب الشعوب والأمم التي شاركتنا المسيرة ونجحت في تحرير الإرادة السياسية والاقتصاد‏,‏ وكذا خصوصية الثقافة الوطنية والعدالة الاجتماعية تطل علي مصرنا من بعيد‏,‏ كانت عبارة أو شعارا يعلن أن الثوريين لا يتقاعدون‏,‏ عبارة خلابة تأتينا من عالم نشتاق إليه‏,‏ وكأننا من الدخلاء‏.‏

الغريب في الأمر أن هذا الجو استمر برغم تراكم يوميات كبار المناضلين لحظة رثائهم‏,‏ وكأننا نكتشف فجأة أن رصيد مصر من الوطنيين الفاتحين لم يعمل علي تغييبهم إلا جحود طلائع المنتفعين الذين طغوا علي الساحة باسم الانفتاح السوقي‏,‏ وحتمية التبعية طريقا إلي قرية العولمة الواحدة‏.‏

أكتب هذه السطور بعد وقفتنا تحية لأداء الدكتور مراد غالب‏,‏ وبعد أيام شاءت الدنيا أن يرحل خمسة من طليعة المناضلين الذين واصلوا أداء الواجب‏,‏ أي رسالة التحرر والتقدم حتي آخر لحظة من حياتهم المضيئة‏,‏ أعلام من جيل كان حقيقة علي موعد مع القدر من حقه علينا أن نرصد أداءه لندرك جوهر رسالته التي هي جزء من صميم تركتنا الوطنية تضيء وتفتح بدلا من النعي والأحزان‏.‏

*‏ رحل محمد الجندي‏,‏ وهو ابن يوسف الجندي من أعلام الثورة المصرية بقيادة الوفد‏(1923‏ ـ‏1919),‏ وهو الذي أعلن جمهورية زفتي تحديا للسلطة التابعة للاستعمار في ذلك الوقت‏,‏ إعلانا لاستمرارية تراث الثورة الوطنية عبر مرحلتيها الوطنية الاستقلالية ثم الاجتماعية‏.‏ تعانقت أيدينا أيام الشباب في دار الأبحاث العلمية أيام صياغة أهدافنا الوطنية لشهدي عطية الشافعي‏,‏ وعبدالمعبود الجبيلي‏,‏ ثم اتجه إلي طليعة الحركة الطلابية أيام انتخاب اللجنة الوطنية للعمال والطلبة‏,‏ وانضم في الوقت نفسه إلي منظمة شرارة الشيوعية‏,‏ ثم أصبح من كوادر منظمة حدتو‏.‏
قرر محمد الجندي أن يترك ساحة العمل الوظيفي ليهب نفسه للعمل الثوري‏,‏ وجمع بين ليسانس الحقوق من القاهرة والترجمة من بودابست وكان له دور بارز في سكرتارية مجلس السلام العالمي في موسكو‏,‏ وبعد عودته إلي مصر أسس دار الثقافة الجديدة التي طبعت نحو خمسمائة من الإصدارات‏,‏ ومن بعدها دار العالم الثالث للنشر‏,‏ بينما كان عضوا بارزا في الحزب الشيوعي المصري الأسبق‏.‏
إن تركة محمد الجندي تتمثل في هذه المكتبة الهائلة من المؤلفات والأعمال المترجمة‏,‏ وفي إصراره علي استمرار الأداء حتي مرحلة المرض في السنوات الأخيرة‏.‏

*‏ الدكتور فتحي عبد الفتاح ناضل في ساعة تلاقي الناصرية والشيوعية‏,‏ كما أرخ لها في كتابه شيوعيون وناصريون الذي صدر عن دار روز اليوسف في السبعينيات من القرن الماضي‏.‏
ولم يحظ هذا المناضل الفدائي المتواضع الصامت باعتراف المجتمع إلا عند تعيينه رئيسا لتحرير المحيط الثقافي بالمجلس الأعلي للثقافة حتي وفاته‏.‏

*‏ ثم جاء رحيل الكاتب الوطني العلم جمال بدوي‏,‏ الذي لم يحظ بالتقدير الرسمي الواجب‏,‏ بعد مرحلة كان فيها مرآة لتلاقي الوطنية المصرية مع دائرة الحضارة الإسلامية المعاصرة‏,‏ مع دوام التمسك بنهج الليبرالية المصرية وريثة نهضة مصر منذ مطلع القرن التاسع عشر‏,‏ خاصة رسالة ثورة‏1919‏ التي أكدت الوجهة الديمقراطية لحركاتنا الوطنية بشكل ساطع‏.‏

*‏ إلي أن جاءت لحظة الفراق المفاجئ يوم‏15‏ يناير الماضي‏,‏ يوم رحيل الأستاذ الدكتور يونان لبيب رزق‏,‏ الواقف علي قمة التاريخ المصري حسب تعبير نائل الطوخي‏,‏ والحق أن الإلمام بما قدمه هذا العالم والوطني المصري العلم لوطننا الجريح في حاجة إلي ندوة علمية وسياسية جامعة‏,‏ وكذا استمرار قسم تاريخ الحياة المعاصرة في رحاب الأهرام‏.‏
المعروف أنه اختص السودان برسالتي الماجستير والدكتوراه قبل التحاقه مدرسا‏,‏ ثم أستاذا‏,‏ ثم رئيسا لقسم التاريخ لكلية الآداب جامعة عين شمس‏,‏ ثم اتجه إلي تاريخ مصر المعاصر‏:‏ تاريخ الحركة السياسية‏,‏ وتطور المجتمع‏,‏ وكذا السياسة الخارجية في مرحلة الليبرالية الوطنية من‏1923‏ إلي‏1952,‏ ثم مرحلة الثورة الوطنية بعد‏1952.‏

كان الهدف علي الدوام هو إنصاف الإيجابية المصرية‏,‏ وذلك بتصحيح المفاهيم والرؤي الخاطئة‏,‏ إيمانا منه باستمرارية الشخصية المصرية‏,‏ وكذا تواصل واستمرارية وتكامل مختلف مراحلها بحيث قدم للأجيال المتعاقبة ديوانا ذكيا دقيقا دافئا يضيء بيتنا المصري من الداخل في الأساس‏,‏ وينصف إيجابيات تحركنا‏,‏ وكذا حدوده في الخارج‏.‏

كانت هذه الرؤية هي جوهر الرسالة التي ألهمت حياة الإنجاز لهذا الإنسان النادر المتواضع الأصيل في وطنيته‏,‏ والمتمكن من أدوات التاريخ‏.‏

رصيد مصر‏:‏ أساس التجديد
ما الذي يجمع بين وجوه مشرقة من معدن واحد ينتمون إلي بيئات اجتماعية ودوائر ثقافية متنوعة؟

إنه الجمع بين الحركة الوطنية التحريرية والتوجه الفكري والعقلي الليبرالي والتقدمي في مرحلة تغيير العالم لا يمت إلي ساحة الخيال أو آهات الرثاء‏,‏ بل إنه أمر ممكن وليس فقط واجبا لكل من يتطلع إلي المشاركة في طلائع الثورة علي التبعية والظلم والتغييب‏,‏ مؤكدا حق أوسع جماهير شعبنا في ارتقاء سلم التقدم إلي الحياة الكريمة الشريفة الآمنة‏.‏

إنها‏,‏ في كلمة‏,‏ رسالة جميع فئات الوطنيين‏,‏ علي تنوع مشاربهم‏,‏ بعيدا عن الاكتفاء بحياة مرحلة المعاش الرتيب‏,‏ والإفتاء في همسات النوادي والصالونات‏,‏ بل وأحيانا التنكر لواقع استمرارية الوطني‏,‏ وكذا إمكان التجديد‏.‏

لماذا وقفتنا اليوم احتراما وإجلالا أمام رحلة اخواننا الأحباء الذين رحلوا؟ الإجابة عن هذا التساؤل تأتينا من دائرة الحوار القائم في دائرة المواطنة‏,‏ المفهوم والممارسة في مرحلة تتراكم فيها الغيوم والضغوط‏.‏

نقطة البدء علي الدوام في حديثنا المصري عن أحوال مصر إما هي‏:‏ الوطن بداية ونهاية‏,‏ الوطن الذي تنطلق منه موجات التحرك الشعبي لصياغة مختلف مراحل الحركة الوطنية‏,‏ والثورة التحريرية علي أرض مصر‏,‏ التي تعتمد في المقام الأول علي إعلان وتفعيل مبدأ المواطنة الذي يجب أن يضيء دستورنا المصري مادام الدستور يحدد مجال تحرك جميع المصريين‏.‏

تشاء الظروف أن يكون رحيل هذه المجموعة من الرواد والأعلام علي تنوع مشاربهم في لحظة نحن أشد ما نكون عليه من الاطمئنان إلي مصر الوطن‏,‏ دون إقصاء أي من مراحله ومكوناته‏.‏

العروة الوثقي‏,‏ أي الجبهة الوطنية المتحدة في لغة العصر‏,‏ في حاجة إلي اعتراف مصر بالإسهامات الجديدة التي قدمها صفوة بناتها وأبنائها‏,‏ ومازالوا‏,‏ من أفكار وإنجازات عمقت من إدراكنا لاستمرارية وتواصل شخصية مصر‏,‏ بحيث تتسع قاعدة التلاقي من أجل تثبيت هذه الاستمرارية وحمايتها ضد جميع قنوات الاختراق والحصار‏.‏

***‏
قال صاحبي‏:‏
إلي أن جاءت لحظة وداع الدكتور عزيز صدقي رئيس الوزراء الذي واصل رسالة طلعت حرب‏,‏ في إقامة ترسانة الصناعة المصرية في زمن الثورات والحروب‏,‏ قاعدة لاستقلال الوطن‏,‏ ورفاهية الشعب‏,‏ سلام إلي هؤلاء الخالدين‏!.
avatar
french
المشرف العام

عدد الرسائل : 35
نشاط العضو :
50 / 10050 / 100

تاريخ التسجيل : 23/01/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://donia.netgoo.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى